محمد بن جرير الطبري

225

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وأما قوله : ( لا نكلف نفسًا إلا وسعها ) ، فإنه يقول : لا نكلف نفسًا ، من إيفاء الكيل والوزن ، إلا ما يسعها فيحلّ لها ولا تحرَجُ فيه . ( 1 ) وذلك أن الله جل ثناؤه ، علم من عباده أن كثيرًا منهم تَضيق نفسه عن أن تطيب لغيره بما لا يجبُ عليها له ، فأمر المعطي بإيفاء رب الحق حقَّه الذي هو له ، ولم يكلِّفه الزيادة ، لما في الزيادة عليه من ضيق نفسه بها . وأمر الذي له الحق ، بأخذ حقه ، ولم يكلفه الرضا بأقل منه ، لما في النقصان عنه من ضيق نفسه . فلم يكلف نفسًا منهما إلا ما لا حرج فيه ولا ضيق ، فلذلك قال : ( لا نكلف نفسًا إلا وسعها ) . وقد استقصينا بيان ذلك بشواهده في موضع غير هذا الموضع ، بما أغنى عن إعادته . ( 2 ) * * * القول في تأويل قوله : { وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 152 ) } قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : ( وإذا قلتم فاعدلوا ) ، وإذا حكمتم بين الناس فتكلمتم فقولوا الحق بينهم ، واعدلوا وأنصفوا ولا تجوروا ، ( 3 ) ولو كان الذي يتوجه الحق عليه والحكم ، ذا قرابة لكم ، ولا تحملنكم قرابة قريب أو صداقة صديق حكمتم بينه وبين غيره ، أن تقولوا غير الحق فيما احتكم إليكم فيه = ( وبعهد الله أوفوا ) ، يقول : وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا . وإيفاء ذلك : أن

--> ( 1 ) انظر تفسير ( ( التكليف ) ) فيما سلف 5 : 45 / 6 : 129 ، 130 / 8 : 579 . = وتفسير ( ( الوسع ) ) فيما سلف 5 : 45 / 6 : 129 ، 130 . ( 2 ) انظر ما سلف 5 : 45 ، 46 / 6 : 129 ، 130 . ( 3 ) انظر تفسير ( ( العدل ) ) فيما سلف من فهارس اللغة ( عدل ) .